الحلبي
312
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وفي التوراة في صفة أمته صلى اللّه عليه وسلم : « دويهم في مساجدهم كدوي النحل » وفي رواية : « أصواتهم بالليل في جو السماء كأصوات النحل ، رهبان بالليل ، ليوث بالنهار وإذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة ، وإن عملها كتبت له عشر حسنات . وإذا هم أحدهم بسيئة فلم يعملها لم تكتب ، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة ، يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ويؤمنون بالكتاب الأول : أي وهو التوراة أو جنس الكتب السابقة والكتاب الآخر : أي وهو القرآن . وروى الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح قال اللّه تعالى لعيسى : يا عيسى إني باعث من بعدك نبيا ، أمته إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا وإن أصابهم ما يكرهون صبروا واحتسبوا ولا حلم ولا علم . قال : كيف يكون ذلك لهم ولا حلم ولا علم ؟ قال : أعطيهم من حلمي وعلمي . وحينئذ يكون المراد ولا حلم ولا علم لهم كامل ، وأن اللّه تعالى يكمل علمهم وحلمهم من علمه وحلمه ، ويدل لذلك ما ذكره بعضهم أن هذه الأمة آخر الأمم فكان العلم والحلم الذي قسم بين الأمم كما شهد به حديث « إن اللّه قسم بينكم أخلاقكم » قد دق جدا فلم يدرك هذه الأمة إلا يسير من ذلك مع قصر أعمارهم فأعطاهم اللّه من حلمه وعلمه . وجاء أنهم مسمون في التوراة : صفوة الرحمن . وفي الإنجيل : حلماء علماء أبرار أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء . وفي الطبراني أن عمر قال لكعب الأحبار : كيف تجدني يعني في التوراة ؟ قال خليفة قرن من حديد ، أمير شديد ، لا تخاف في اللّه لومة لائم . وزاد عن جواب السؤال قوله : ثم الخليفة من بعدك يقتله أمة ظالمون له ثم يقع البلاء بعد . وفي صحف شعياء اسمه صلى اللّه عليه وسلم ركن المتواضعين . وفيها : إني باعث ، نبيا أميا أفتح به آذنا صما ، وقلوبا غلفا ، وأعينا عميا ، مولده بمكة ومهاجرته بطيبة ، وملكه بالشام ، رحيما بالمؤمنين ، يبكي للبهيمة المثقلة ، ويبكي لليتيم في حجر الأرملة ، لو يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته ولو يمشي على القضيب الرعراع يعني اليابس لم يسمع من تحت قدميه ، إلى آخر الرواية فإن فيها طولا ، وقد ساقها الجلال السيوطي في الخصائص الكبرى . وشعياء هذا كان بعد داود وسليمان ، وقبل زكريا ويحيى عليهم الصلاة والسلام . ولما نهي بني إسرائيل عن ظلمهم وعتوهم طلبوه ليقتلوه فهرب منهم فمر بشجرة فانفلقت له ودخل فيها وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة ثوبه فأبرزها ، فلما رأوا ذلك جاءوا بالمنشار فوضعوه على الشجرة فنشروها ونشروه معها . وكان من جملة الرسل الذي عناهم اللّه تعالى بقوله : وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ [ البقرة : الآية 87 ] أي موسى بِالرُّسُلِ [ البقرة : الآية 87 ] وهم سبعة ، وهو ثالث تلك الرسل السبعة : أي وهو المبشر بعيسى ومحمدا صلى اللّه عليه وسلم ، فقال يخاطب بيت المقدس لما شكا